كرامة الإنسان تمثُل أول ما تمثُل في أن يكون الإنسان كبيرًا في عيون نفسه ، عزيزًا في عيون غيره ، وألا يرهقها بكثرة التبرير ، وتكلف الأعذار ؛ فالمرء الذي يعتز بذاته ، يُعليها فوق سفاسف الأمور وحقائرها ، فيراه الناس كنَسْرٍ محلِّقٍ في عنان السماء ، مهما كان جائعًا لا يسف نفسه بالهبوط فوق الرمم .
وإن الرذائل والمخازي لهي رمم الأعمال ، لا يقربها إلا كلُّ مهينةٍ نفسُه ، مهترئةٍ كرامتُه ، حتى إني لأرى أن مدار العقوبات في الإسلام إنما مرجعه إلى إهانة المرء كرامته ، وهوان نفسه عليه ؛ فاللص يهين نفسه ويمتهن كرامته ويحقِرها بوضع نفسه موضع الطفل الذي يتلفت يمنةً ويسرةً ؛ خشيةَ عقاب على جُرم .
والقتل والزنا والكذب وشهادة الزور …. كلها رذائل تصغّر المرء أمام نفسه ، وتهين كرامته أمام عينيه ، حتى يألف امتهان كرامته ، ودناءة نفسه ، فيصير كالحُمُر تُضْرَبُ ظهورُها بالسياط ، فلاتأنف لذلك ، صاغرةً ذليلةً ، إلا أن حالها الذليل هذا لم تختره بإرادتها ، أما المرء المرذول فقد اختار سبيل الرذائل والمخازي بإرادته ، فلا تكون له من إنسانيته سوى الصورة .
إن هذا التصور يضع الإنسان في إطار مسئوليته تجاه ذاته ، ومسئوليته تجاه الحفاظ على كرامته التي هي هبةٌ من عند الله ، صرح بها في قوله جلّ في علاه : (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ) .
فليس لجدِلٍ أرعن أن يقول : إنما يسرق فلان من الأغنياء ليعطي الفقراء ؛ لأنه تبريرٌ يسكّن الضمير ، ولكنه لا يحفظ على السارق كرامته التي تضيع خلف لفتاته الخائفة من ملاحقة عيون الناس . وليُقَس على ما لم يُقَل .
وكأن الحدود والعقوبات قد وُضِعَت في الأساس ثَأرًا للكرامة الذبيحة قبل الثأر لأصحاب الحقوق ؛ فكرامة الإنسان وتعزيز اعتزاز الإنسان بذاته هو الضمانة الأولى لنهضة المجتمعات وكبريائها في معترك الصراع بين الأمم ، فحاسبوا أنفسكم على كرامتكم الذبيحة قبل أن تُحَاسَبُوا من قِبَلِ الآخرين .

