الحذف: هو إسقاط كلمة أو جملة من سلسلة الكلام وجوبًا أو جوازًا، وفق قوانين النحو، وذلك بدلالة المقال/المقام عليه.
- فقولنا: (زيدٌ) جوابًا لـ (مَن عندك؟) مبتدأ خبره محذوف جوازًا تقديره : عندي، ويدل عليه المقال المتمثل في السؤال .
- وقولنا: «لولا الإسلامُ لشاعتِ المفاسدُ»حُذِفَ خبر المبتدأ (الإسلام) وجوبًا ، وتقديره : (موجود) ؛ وذلك لدلالة المقام عليه ، ويكون محذوفًا بدلالة الوجود المطلق أو الكون العام .
مجال الحذف ذي الغاية البلاغية هو الحذف الجائز لا الحذف الواجب ، فالحذف الواجب يحقق الصحة في الكلام ، أما الحذف الجائز فإنه يحقق الجمال في الكلام شريطة مناسبته للسياق .
فالنحوي يحدد مواضع الحذف ويبيّن ما هو واجب منه وما هو جائز، أما البلاغيُّ فَيُفَتِّشُ عن السياق الذي استدعى الحذف ، والذي يقوى المعنى السياقي ويزيده وضوحًا .
فقد يكون النقصان في الكلام زيادةً في المعنى الذي يطلبه السياق، وقد يكون الصمت عن الكلام أبلغ في الإفادة من الذكر.
مثال: قول البحتري :
شَجْوُ حُسَّادِهِ وَغَيْظُ عُدَاهُ
أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعِ
فهذا البيت حُذِفَ فيه مفعولا الفعلين (يرى) و (يسمع) .
فقول النحوي فيه أن الفعلين متعديان ، ومن ثَمَّ يجب أن يكون لهما مفعولان ، فيسعى النحاة إلى تقديرهما .
أما البلاغي فيسأل: ولماذا حُذِفا مع جواز ذكرهما؟
وهنا يبدأ البلاغيُّ في التفتيش عن السياق المقامي ؛ فيكتشف أن الشاعر أراد المبالغة في مدح الممدوح ، وذلك ببيان أن محاسنَه (الممدوح وهو الخليفة المعتزّ) غيرُ محدودة وفضائلهُ غير معدودة ، فليس ما يشجي حساده ويغيظ عداه أن يرى مبصرٌ محاسنه ،التي إن ذكرها لحدَّها ، ولا أن يسمع واعٍ فضائله التي إن ذكرها لعدَّها …
ولكن شجوُ حساده وغيظُ عداه أن يتمتع إنسان ببصرٍ أو سمع ، وكأنهم يتمنون لو أن الناس عُميًا وصُمًّا ؛ لأن مجرد امتلاكهم للبصر والسمع سيُدْرِكُهم محاسنه وفضائله، نظرًا لشُيُوعِها وكثرتِها، فهي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى .
مثال آخر :
«وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ»
فجواب (لو) محذوف، وعلة الحذف إطلاق عنان الخيال في تقدير ذلك المحذوف، فنُقَدِّر (مثلاً):
- ولو ترى إذ وقُفوا على النار لَفَزِعْتَ أشَدَّ الفَزَعِ.
- ولو ترى إذ وقُفوا على النار لأصابَكَ هَوْلٌ عَظِيمٌ.
- ولو ترى إذ وقُفوا على النار لارْتَعَدَتْ فَرائِصُكَ مِمّا رَأَيْتَ.
وهكذا… فالحذف هنا يتيح للمتلقي فرصة واسعة من التقدير، كلٌّ بحسب مخزونه الذهني المعبِّر عن هول ما يصيب المرء من فزع وخوف.
أغراض الحذف العامة :
لا نَقْصِدُ بهذا العنوان مصادرةَ ما يُمْلِيهِ السياقُ على الحذفِ من أغراضٍ مصبوغةٍ بخصوصية الموقف المحيط بالحذف ، فهذا مما يرفضه عبد القاهر ، وينعى على اللغويين القول به ،
ولكن نقصد بهذا العنوان تحديد الإطار العام الذي يقدّمه أسلوب الحذف ، دون المساس بخصوصية النص وسياقه .
فحين نقول إن من الأغراض العامة للحذف:
(١) توسيع الدلالة ، بتوسيع دائرة التقديرات .
٢) مشاركة المتلقي في بناء النص وترميمه، بإعمال فكره في استدعاء المحذوف من مخزونه الخاص المصبوغ بصبغة السياق .
(٣) إيجاز المبنى لإطناب المعنى، واختصاره للمبالغة في معناه وتقصيره من أجل طول مَعْناهُ…
حين نقول هذه الأغراض ، فإننا نؤكد على اتّسامها بالعمومية التي يستدعيها المحلل لاستنطاق الأغراض الخاصة من النص في ضوء سياقه الخاص .
ونختم حديثنا بالتأكيد على أن الحذف لا يُطلب لذاته، فليس غايةً يسْعَى إليها الكاتب لتحقيق الإيجاز في المبنى، وإنما هو وسيلةٌ لتحقيق البلاغة بالتأثير في المتلقي عن طريق إبراز السياق الحاوي للنص ، وبيان مدى التناسب بينهما ، فإن لم تتحقق هذه الغاية كان الإطناب أبلغ وإطالة الكلام أَوْلَى .
